Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار العالم

مرور 25 عاما على اغتيال الفنان “الثائر” معطوب لوناس وعائلته لا تزال تبحث عن الحقيقة


من قتل معطوب لوناس؟ هذا السؤال مازالت تطرحه زوجته ومحبوه رغم مرور 25 عاما على اغتياله من مجهولين نصبوا له كمينا في منعطف ضيق لم يتمكن من الخروج منه حيا في أعالي منطقة القبائل بالجزائر. الشاعر “الثائر” الذي دافع عن الهوية الأمازيغية والديمقراطية تحول مع مرور السنين إلى رمز للنضال السياسي. فرغم رحيله، إلا أن أغانيه لا تزال تقدم دروسا في الحرية والنضال ضد كل أشكال الخضوع السياسي والإيديولوجي.

يحيي الجزائريون بشكل عام وسكان منطقة القبائل بشكل خاص الذكرى الـ25 لاغتيال المغني والفنان الأمازيغي الشهير معطوب لوناس. هذا الشاعر “الثائر” الذي باشر مسيرته الفنية في العام 1976 قتل من طرف مجهولين مدججين بالسلاح في 25 يونيو/تموز 1998 عندما كان عائدا من مدينة تيزي وزو (شمال شرق الجزائر) إلى قريته توريرت موسى في بلدية بني دولة بأعالي جرجرة.

هؤلاء نصبوا له كمينا في منعطف ضيق ثم أطلقوا على سيارته أكثر من 70 طلقة رصاص، ليلفظ أنفاسه في الحال دون أن يتمكن من الدفاع عن نفسه أو الخروج من السيارة.

أغنية لمعطوب لوناس على وقع النشيد الوطني الجزائري


وفور انتشار خبر وفاته، خرجت مظاهرات عارمة، ووجهت برد عنيف من السلطات في كل من مدينة تيزي وزو، التي تعتبر عاصمة منطقة القبائل، وبجاية شرقا والبويرة شمالا وفي الجزائر العاصمة تنديدا بهذا الاغتيال. فيما وقعت مواجهات واشتباكات مع قوات الأمن والدرك الوطني أسفرت عن مقتل ثلاثة شبان أمازيغ.

ورغم مرور 25 عاما على هذا الحادث، إلا أن زوجته نادية معطوب، التي كانت بجانبه لحظة الاغتيال، لا تزال تطالب السلطات الجزائرية بإجراء تحقيق نزيه لكشف هوية الذين يقفون وراء مقتل زوجها وأحد رموز الثقافة الأمازيغية.

وفي حوار على إذاعة “فرانس أنتر” الفرنسية الجمعة الماضي، قالت نادية معطوب: “لا أعرف من يقف وراء مقتل لوناس. لكن ما هو مؤكد، هو أنه كان ضد الإسلامويين من جهة وكان ينتقد النظام الجزائري وقتها وانتهاكاته من جهة أخرى”. وأضافت: “معطوب لوناس كان فنانا وشاعرا ثائرا، لهذا السبب أرادوا إسكاته، إسكات الرمز والفنان والقائد”. 

نضال معطوب لوناس من أجل الاعتراف باللغة الأمازيغية

ولد معطوب لوناس في يناير 1956 في قرية توريرت موسى بأعالي جرجرة. في شبابه، لم يكن يهوى الدراسة والتعليم كثيرا بسبب عدم إتقانه للغة العربية. ففي كتابه “الثائر” الذي صدر في 1995 عن دار النشر “ستوك” يلخص فيه مسيرته الحياتية والفنية، كتب معطوب بأنه كان يشعر دائما بنوع من التمييز والعنصرية رغم سنه الصغير كونه لم يكن يستطيع التحدث بلغته الأم وهي الأمازيغية بالرغم من أنه يعيش في وطن ذي جذور أمازيغية.

 

“كنزة” أحد اغاني معطوب لوناس تكريما للصحفي طاهر جاووت الذي قتل من قبل ارهابيين في الجزائر


كما كان ينظر أيضا إلى اللغة العربية على أنها لغة دخيلة على المجتمع الجزائري، منتقدا في كل مرة سياسة تعريب الأذهان والتدريس التي اتبعها الرئيس السابق هواري بومدين ابتداء من السبعينيات من القرن الماضي.

ناضل معطوب لوناس من أجل الاعتراف باللغة الأمازيغية لغة رسمية في الجزائر بجانب العربية، ودافع عن الحريات الفردية والعامة في بلد شهد طغيان المؤسسة العسكرية وحزب جبهة التحرير الوطني الواحد على الحياة العامة والسياسية.

أغان عن الثورة الجزائرية وعن غياب الديمقراطية بعد الاستقلال

حياة معطوب لوناس غنية بالإنجازات الفنية وبالمآسي أيضا. فغنى عن الثورة الجزائرية وهمومها وكل ما خلفته من عذاب وآلام لسكان منطقة القبائل الذين انخرطوا في الثورة في الساعات الأولى من بدايتها.

كما انتقد أيضا في العديد من أغانيه غياب الديمقراطية في الجزائر وتمسك المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات بدواليب السلطة منذ الاستقلال في العام 1962 لغاية الانفجار الاجتماعي والسياسي الذي عرفته البلاد في 1988 والذي أطلق عليه “أحداث 1988”.

كما شارك في المظاهرات التي نظمت في منطقة القبائل في الثمانينات والتي سميت بـ”أحداث أبريل 1980″ إذ خرج طلاب جامعة تيزي وزو إلى الشارع تنديدا بمنع السلطات الجزائرية تنظيم محاضرة أدبية من قبل الكاتب الشهير مولود معمري في مقر الجامعة.

شرارة التظاهر انطلقت من الجامعة لتصل إلى جميع قرى منطقة القبائل. تلتها أيام من المظاهرات أدت إلى غلق جميع المؤسسات التربوية. وأمام تردي الوضع الأمني، قام الرئيس السابق الشادلي بن جديد بإرسال القوات الخاصة إلى تيزي وزو لتقمع المظاهرات. ولا يزال عدد القتلى من بين الطلبة والمتظاهرين غير معروف. وتابع معطوب لوناس كل هذه الأحداث وشارك فيها وألف أغنية تخلدها عنوانها “واد عيسى حزين”. وهو اسم المكان الذي كانت تتواجد فيه جامعة تيزي وزو.

وقال فيها “حزن واد عيسى عندما بدأ الاقتتال ووصل العسكر ليلا. كل القرويين سمعوا بما وقع وتوجهوا فورا إلى تيزي وزو. الطرقات فاضت بالمتظاهرين.. لم يكن هذا خرفا بل نحن نبحث عن الحرية قبل أن يضعوا رؤوسنا تحت المقصلة..” ولاقت هذه الأغنية رواجا كبيرا في منطقة القبائل وأصبح الجميع يرددها في المظاهرات.

اقرأ أيضاالجزائر: مرور 17 سنة على اغتيال المغني “الثائر” معطوب لوناس

لكن لم يستطع معطوب لوناس أن يشارك في المظاهرات التي نظمت في 20 أبريل/نيسان 1980 كونه كان متواجدا في باريس لإحياء أول سهرة فنية له في قاعة “الأولومبيا”. وتضامنا مع التظاهرين في منطقة القبائل والقتلى، صعد إلى منصة “الأولومبيا” ببذلة عسكرية.

“الجبال هي عمري وحياتي”

وهي أول مرة يغني فنان أمازيغي بمثل هذا اللباس. ولاقى ترحيبا كبيرا من قبل الذين جاءوا للاستماع إليه. ثماني سنوات بعد أحداث تيزي وزو، أي في 1988، تعرض معطوب لوناس إلى اعتداء من عناصر من الدرك الوطني في أعالي مدينة عين الحمام حيث أطلقوا عليه ثلاث رصاصات بينما كان يوزع منشورات للمارين يدعو فيها إلى عدم المشاركة في المظاهرات التي اندلعت في الجزائر العاصمة بحجة أنها كانت “مفتعلة” من النظام آنذاك.

وبعدما أطلق الدرك الوطني الرصاص عليه، فقد الفنان معطوب وعيه ونقل إلى مستشفى هذه المدينة وكان فاقدا لكميات كبيرة من الدم. هذا الحادث أدى إلى اندلاع مرة أخرى أعمال عنف في مناطق عديدة من القبائل أدت إلى توقيف الكثير من الشبان.

هذه الإصابة بالرصاص أبعدت معطوب لوناس من ساحة الفن سنوات عديدة بسبب خضوعه إلى 14 عملية جراحية في مستشفيات جزائرية وفرنسية. لكن هذا لم يمنعه من تأليف أغان جديدة على فراش المستشفى كالأغنية التي يروي فيها وقائع الحادث الأليم الذي تعرض إليه والتي حملت عنوان “الجبال هي عمري وحياتي”.


“أغنية اسمها “باسم جميع أحبائي”

وقال فيها: “سمعت بأن الجبال قد اهتزت وأنت لم تكن حاضرا، كل شخص يخبر الآخر بأن اليوم هو رأس السنة الأمازيغية.. منطقتنا أصبحت تلمع كالمنارة… في تيزي وزو تجمع الناس وفي بجاية أطلقوا رصاص الانتصار بعد أن كسروا نير المعاناة…”.

أغنية شهيرة لتكريم محمد بوضياف المقتول

هذه الأغنية نالت إعجاب الملايين وأصبحت تردد في الشوارع وخلال المظاهرات أو داخل ملاعب كرة القدم. كتبها معطوب لوناس للتعبير عن قدوم السنة الأمازيغية الجديدة من جهة ولإبراز حزنه بعدم مشاركته في الاحتفالات كونه كان يصارع لمجابهة مشكلاته الصحية في مستشفى باريسي، من جهة أخرى.

وبعد العمليات الجراحية الـ14 التي خضع لها، تمكن من استرجاع عافيته نسبيا وعاد إلى ميدان الفن إذ سجل بعد ذلك العديد من الألبومات التي لاقت رواجا كبيرا في الجزائر وخارجها. من بينها، يمكن ذكر الألبوم الذي كرم فيه الرئيس المقتول محمد بوضياف في يونيو 1992 أثناء إلقائه خطابا داخل قاعة في مدينة عنابة شرق الجزائر.

بوضياف كان يعيش في المنفى في المغرب قبل أن يعود إلى الجزائر في التسعينيات لكي يترأس المجلس الأعلى للدولة. فيما انطبعت هذه الفترة بظهور الإرهاب الإسلاموي بسبب قرار النظام الجزائري آنذاك توقيف المسار الانتخابي وعدم تنظيم الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية التي اكتسحها حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ الإسلامي المنحل والذي كان يتزعمه الثنائي علي بلحاج وعباسي المدني. شارك معطوب لوناس في العديد من المظاهرات المناهضة للإسلامويين والإرهابيين. وكان يدافع دائما عن مبدأ فصل الدين عن السياسة.

أحترم الديانة الإسلامية لكنني لست مرغما أن أكون مسلما”

كان دائما يقول بأن المدرسة الأساسية الجزائرية هي التي كانت “تصنع” و”تنتج” إرهابيين ومتطرفين دينيين، داعيا في نفس الوقت إلى فتح الآفاق السياسية ومنح الحرية للشعب وللأحزاب السياسية لكي تنشط بحرية وتبني مستقبلا زاهرا بعيدا عن الكواليس الاستخباراتية التي كانت تراقب كل كبيرة وصغيرة.

وإضافة إلى كونه معارضا للحكومات الجزائرية التي تعاقبت، كان أيضا معطوب لوناس العدو الأول للإسلامويين والإرهابيين. ويدافع عن حرية الأشخاص في اعتناق الديانة التي يريدونها وعدم فرض الدين الإسلامي عليهم. فقال في أحد الحوارات التي أجراها مع القناة الفرنسية الثانية: “أحترم الديانة الإسلامية، لكنني لست مرغما أن أكون مسلما. فكل شخص يملك حرية المعتقد”.

وبسبب مواقفه وأغانيه المعادية للإسلامويين، تم اختطافه من قبل جماعة إرهابية في سبتمبر/أيلول 1994 لمدة 15 يوما في أحد الغابات في جبال جرجرة العالية.

الفنان معطوب لوناس في حفل غنائي بقاعة “الزنيت” بباريس في 1995 © فرانس24

لكن بفضل التعبئة الكبيرة لسكان المنطقة والمظاهرات شبه اليومية التي كانت تنظم والمطالبة بإطلاق سراحه، استجاب الإرهابيون لهذا المطلب وأخلوا سبيله خوفا من مواجهة عسكرية دامية مع سكان القبائل. وفي كتابه “الثائر” الذي أصدره بعد شهور قليلة فقط من إطلاق سراحه، روى معطوب لوناس المعاناة التي تعرض لها كمختطف وكيف كان يرى الموت يوميا أمامه في الغابة التي احتجز فيها. وفي يناير 1995، نظم حفلين موسيقيين في يوم واحد بقاعدة “الزنيت” بباريس بحضور آلاف من محبيه.

“هل يمكن أن يموت الشاعر؟”

كان الحفل ناجحا بشكل كبير إذ تجاوب الحاضرون مع أغانيه الثائرة والتحموا معه في ليلة لن تنسى. وهو الحفل الأخير الذي أحياه هذا الفنان قبل مقتله في 25 يونيو 1998 على الطريق المؤدي إلى منزله في منطقة القبائل.

وتعددت الروايات والسيناريوهات بشأن الأسباب التي أدت إلى مقتله. فهناك من قال بأن السبب كان استخدام النشيد الوطني الجزائري لانتقاد النظام الجزائري وتغيير كلمات النشيد إلى مضمون ينتقد فيه بشكل لاذع النظام. ومن قال بأن الإرهابيين هم الذين يقفون وراء هذا الاغتيال الذي صدم العالم.

فرغم مرور 25 عاما على هذا الحادث، لا يزال معطوب لوناس حاضرا في قلوب محبيه. فيما أعطي اسمه للعديد من الطرقات والمؤسسات سواء في أوروبا أو كندا أو بلدان أخرى. لكن زوجته وعائلته لم تيئسا من المطالبة بمعرفة من اغتاله. فهل يمكن أن يموت الشاعر أصلا كما جاء في إحدى أغانيه؟

طاهر هاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى