أخبار العالم

مع اقتراب الدخول الاجتماعي.. تعديل مدونة الأسرة بالمغرب يضع الحكومة أمام اختبار التوفيق بين الخصوصية المحلية والمرجعيات الكونية



بعد نحو 19 سنة من اعتمادها بموجب المراجعة الشاملة التي خضعت لها عام 2004، يتجدد الجدل حول مدونة الأسرة بالمغرب مع اقتراب الدخول الاجتماعي وتبني آلية لمناقشتها، وتطفو على السطح من جديد الخلافات بين فريق محافظ يدعو إلى التشبث بالمرجعية المحلية ومراعاة خصوصية المجتمع، وآخر يحث على مواكبة المتغيرات الحقوقية والاستناد إلى المواثيق والقوانين الدولية. وسط هذا “التدافع” الفكري، تجد الحكومة نفسها أمام تحد كبير ودقيق يفرض عليها تبني مقاربة تشاركية ونهج استشاري لعكس جميع وجهات النظر في القانون المنتظر.

نشرت في: آخر تحديث:

10 دقائق

يتواصل النقاش في المغرب بين مختلف التيارات الفكرية والحقوقية والسياسية حول موضوع التعديلات المرتقب إدخالها على مدونة الأسرة، في ظل انقسام كبير حول طبيعة المرجعيات الواجب الاستناد إليها، ما يضع الحكومة أمام اختبار عكس مختلف الأفكار والتوجهات، دون إقصاء أحد أو ترجيح كفة طرف على حساب آخر.

إحياء النقاش حول القانون المرتقب تعديله، بدأ عقب خطاب عيد العرش عام 2022، حين دعا العاهل المغربي، الملك محمد السادس إلى إعادة النظر فيه من خلال اعتماد منهجية تعددية وتشاورية في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية، وخصوصيات المجتمع المغربي، مع اعتماد الاعتدال والاجتهاد المنفتح، وإشراك جميع المؤسسات والفعاليات المعنية.

تفاعلا مع هذا التوجيه، بدأ وزير العدل عبد اللطيف وهبي شهر أبريل/نيسان الأخير مشاورات موسعة مع مختلف أطياف المجتمع السياسية والمدنية من أجل بلوغ صيغة توافقية. رغم ذلك، يبدو أن مسار هذا التوافق المنشود ليس يسيرا كما لم يكن سابقا.

وفق محمد عبد الوهاب رفيقي مستشار وزير العدل المغربي فإنه “لا يعرف إلى اليوم أي مقاربة ستنهجها الدولة في موضوع مدونة الأسرة والتعديلات المرتقبة بشأنها، -هل بإسناد الموضوع إلى وزارة العدل اعتبارا لصفتها التشريعية أم إلى لجنة خاصة تضم مستشارين ملكيين كما حدث خلال الإعداد لمدونة 2004 أم غير ذلك، لكنه استدرك موضحا أن هذا “لا ينفي أن الوزارة تشتغل حول الموضوع ولديها رؤيتها في حال اللجوء إليها”.

في هذا السياق، أوضح رفيقي أن مقاربة وزارة العدل “تعتمد بشكل كبير على التوفيق بين النفس الحقوقي الذي ترى أنه مهم وبين مراعاة الخصوصية المحلية والثوابت والتاريخ، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن التجديد والاجتهاد أساسيان لأي إصلاح، والالتفات إلى المواثيق الكونية مهم، خاصة وأن الوزارة تتلقى باستمرار تساؤلات من لدن مؤسسات حقوقية دولية حول هذا الأمر”.

مساهمة في النقاش المستمر حول الموضوع، أطلق حزب الاستقلال الأسبوع الماضي استشارات على موقعه الرسمي لاستقاء آراء وتمثلات واقتراحات منخرطي الحزب والمتعاطفين معه، من خلال الإجابة على أسئلة 4 استبيانات موضوعاتية تهم الأسرة والمرأة والأطفال والمسنين. وتأتي هذه الخطوة حسب الأمين العام للحزب نزار بركة، تفاعلا مع ما يعتمل داخل المجتمع من نقاش عمومي.

من جهته، دعا حزب التقدم والاشتراكية، أواخر شهر تموز/يوليو الماضي الحكومة لتحمل مسؤوليتها لإخراج تصورها حول إصلاح المدونة، مسجلا “تأخرها في القيام بخطوات ملموسة فيما يتعلق بإقرار المساواة الفعلية بين النساء والرجال في جميع المجالات وعلى كافة المستويات. وطالب الحزب، في بلاغ، بفتح نقاش “هادئ” حول الموضوع.

نفس حقوقي

الباحث الأكاديمي والناشط الحقوقي أحمد عصيد، يرجح أن التعديلات المرتقبة على مدونة الأسرة خطوة جديدة في طريق المساواة، إذ في نظره، لم يدع الملك محمد السادس في خطاب رسمي إلى هذه المراجعة إلا بعد اقتناع الدولة بأن النص السابق المعدل قبل 18 سنة لم يعد يحقق العدل المطلوب للنساء والأطفال، بعد أن ظهرت ثغرات كثيرة.

حسب عصيد فإن منطق الدولة المغربية في مراجعة هذا النص يحكمه دائما هاجس السعي التدريجي إلى المساواة ورفع الظلم، ولهذا من المنتظر أن تتحقق خطوات جديدة لصالح المرأة المغربية.

أما الخلاف الموجود في المجتمع وفي النقاش العمومي بين التيار الديمقراطي والتيار الديني فيمكن وفق المتحدث “تسويته من خلال التحكيم الملكي عبر صلاحيات إمارة المؤمنين التي تمكن من التقدم التدريجي دون إحداث الفتنة التي يهدد بها دائما تيار التطرف الديني” وفق توصيفه، كلما تعلق الأمر بحقوق النساء، ويرفض في كل مرة أي تعديل كما يعارض أية محاولة لإخراج المرأة من “الوصاية والعنف الذكوري”.

اقرأ أيضاالمغرب: جدل الإفطار علنا في نهار شهر رمضان بين “حماية الحريات الفردية” و”صون عقيدة المجتمع”

خصوصية محلية

في المقابل، يرى لحسن السكنفل، عضو المجلس العلمي المغربي الأعلى، أن “المرجعية الإسلامية تبقى أساس أي مراجعة لحفظ حقوق مكونات الأسرة جميعها، زوجا وزوجة وأطفالا” مؤكدا أن “هذه المراجعة لا تحرم الحلال ولا تحلل الحرام وتقوم في انفتاحها على المطالب الحقوقية على النصوص قطعية الدلالة، سواء أكانت قرآنا أو سنة، وفي إطارهما يكون الاجتهاد الذي يراعي التغيرات المجتمعية، ويجمع إلى فقه النصوص فقه الواقع وفقه التنزيل وفقه المآلات”.

 من جهتها، ذكرت الكاتبة الوطنية لمنظمة “النساء الاتحاديات” حنان رحاب بأن مدونة الأسرة حين تم إقرارها قبل حوالي 20 سنة كانت “تمثل ثورة ثقافية واجتماعية، وكانت تمثل واحدة من عناصر العقد الاجتماعي الجديد القائم على الحداثة والديمقراطية”، معتبرة أن النقاش الذي أطلقه الملك قبل سنة حول تحيين وتطوير المدونة، هو “عنوان آخر على أن مسيرة التحديث خلال عهد محمد السادس شهدت طفرات فرضت تعديل المدونة لكي تستجيب للمتغيرات داخل المجتمع الذي عرف تحولا في نسقه العام لصالح حقوق النساء، يشهد عليه تنامي مشاركة النساء في الشأن العام بمختلف مناحيه”.

في هذا السياق، تعتبر رحاب أن المنظمة التي تنتمي إليها والتابعة لحزب اشتراكي يساري حداثي، تؤكد جليا أن المدونة الحالية تضم بنودا مرتبطة بقضايا نفقة الأولاد أو سن الزواج او إجراءات الطلاق تحتاج لتعديلات، لأنها أصبحت متجاوزة، مشيرة إلى أن المملكة “قادرة على الخروج بنص جديد يستجيب لأفق المساواة الشاملة والإنصاف، عبر آليات الحوار والإنصات والتوافق”.

من بين أهم النقاط الخلافية والمثيرة للجدل في القانون الحالي مسألة المساواة في الإرث بين الذكور والإناث وزواج القاصرات وحق الأم في الحضانة ثم اعتماد اختبارات الحمض النووي لإثبات بنوة الأطفال المولودين خارج إطار الزواج.

 

زواج القاصرات

 على الرغم من أن السن القانونية للزواج بالنسبة للفتيات هي 18 سنة، فإن المادة 20 من قانون الأسرة تتيح للقاضي إمكانية الترخيص بزواج القاصرة بشروط معينة. لذا يجمع المدافعون عن حقوق النساء على الضرورة الملحة للمنع الكلي لزواج القاصرات وذلك بحذف هذه الصلاحية الممنوحة للقاضي.

خلال جوابه على سؤال لفريق حزب التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين في تموز/يناير الماضي، قال عبد اللطيف وهبي إن وزارته بذلت مجهودا توعويا كبيرا للحد من ظاهرة تزويج القاصرات مؤكدا أنها ستكون محل نقاش من خلال المنهجية التشاركية والتشاورية مع مختلف القطاعات الحكومية المعنية وهيئات المجتمع المدني المهتمة بالموضوع، التي ستعتمدها الوزارة بمناسبة المراجعة العامة والشاملة لبعض مواد مدونة الأسرة.

 

المساواة في الإرث

 على رأس القضايا التي استأثرت باهتمام كبير نظرا لحساسيتها داخل المجتمع المغربي، المساواة في الإرث بين الجنسين، إذ تصدرت النقاش الدائر حول تعديل مدونة الأسرة، خاصة بعد مطالبة مجموعة من الهيئات والمنظمات الحقوقية بمراجعة منظومة الإرث، الأمر الذي رفضه التيار المحافظ، وسبق في هذا الإطار للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية أن عبرت عن موقفها الرافض للدعوات الصادرة عن بعض الجهات التي وصفتها بـ “المعزولة” المنادية بالمساواة في الإرث، واعتبرتها “فضلا عن كونها دعوات مستجيبة لإملاءات خارجية، خروجا عن الإجماع الوطني والثوابت الدينية والدستورية للمملكة، وتجاوزا للإطار الذي حدده الملك الذي أكد على ضرورة احترام النصوص القرآنية القطعية”.

من بين حجج الداعين إلى تغييرات جذرية، ما يصفونه بالتناقض الحاصل بين قانون الأسرة الحالي ومضامين دستور 2011، خصوصا مع المادة 19 التي تكفل المساواة في الحقوق والحريات بين الرجل والمرأة، ومع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وخاصة “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة”.

في هذا السياق، تعتبر “فيدرالية رابطة حقوق النساء” أن المعيار الأساسي الذي يفترض أن ترتكز عليه التعديلات المرتقبة هو واقع المرأة المغربية والتحديات التي تواجهها وليس قواعد الفقه الإسلامي المرتبطة بسياقات مجتمعية وسياسية لم تعد قائمة.

 

حق الوصاية والحضانة

 حسب المادة 231 من مدونة الأسرة فإن حق الوصاية على الأطفال يمنح تلقائيا للأب، ما يرى فيه المدافعون عن حقوق المرأة “تهميشا” لدور الأم “وحرمان” الأطفال من حقهم في علاقة متوازنة مع الأبوين، لذلك يطالبون بتكريس المساواة في الحقوق بين الأب والأم ليكونا سويا أوصياء على أطفالهما.

من جهة أخرى، يسحب القانون الحالي حضانة الأم لطفلها الذي يزيد عمره عن سبع سنوات بمجرد زواجها، لذلك يدعو البعض إلى إلغاء هذا المقتضى لـ “ضمان حقوق الأمهات والأطفال”.

وفق الباحث أحمد عصيد، فإن “المقاربة الحقوقية التي ينص عليها الدستور المغربي والتي تقر المساواة بين الجنسين، كما تعلن سمو المعاهدات الدولية على التشريعات الوطنية، وتأكد على أن منظومة حقوق الإنسان كل غير قابل للتجزيء، لا تسير في اتجاه جبر الخواطر والتوافقات الهشة، بل تسير نحو انتزاع مزيد من الحقوق للنساء المغربيات، وخاصة فيما يتعلق بولاية المرأة على الأطفال، ومنع تزويج القاصرات، ومنع التعدد، وإلغاء التعصيب في الإرث، والسعي نحو المساواة في الإرث ولو بإقرار قانون مدني بجانب النظام الشرعي التقليدي وضمان المصلحة الفضلى للطفل في الحضانة، وهي كلها مطالب ملحة ما فتئت تؤكد عليها الحركات النسائية المغربية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى